ابن أبي مخرمة

74

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

لك أن توليني وأنا كاذب ، وإن كنت صادقا . . فينبغي لك أن تقبل قولي ، فقال إياس : إنك جئت برجل وأوقفته على شفير جهنم فنحى نفسه عنها بيمين كاذبة يستغفر اللّه منها وينجو مما يخاف ، فقال عدي بن أرطأة : أما إذ فهمتها فأنت لها ، فولاه قضاء البصرة ، وكان أحد العقلاء الفضلاء الدهاة . يحكى : أنه قال : ما غلبني سوى رجل واحد شهد عندي أن البستان الفلاني - وذكر حدوده - ملك فلان ، فقلت له : كم عدد شجره ؟ فسكت ، ثم قال لي : منذ كم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس ؟ فقلت : منذ كذا وكذا سنة ، فقال : كم عدد خشب بيتك ؟ فقلت : الحق معك ، وأجزت شهادته . ومن فطنته أنه سمع نباح كلب ، فقال : هذا على رأس بئر ، فاستقرءوا النباح فوجدوه كما قال ، فقيل له في ذلك ، فقال : إني سمعت الصوت كأنه يخرج من بئر . ومنها : أنه حدث ما يقتضي الخوف وهناك ثلاث نسوة لا يعرفهن ، فقال : ينبغي أن تكون هذه حاملا ، وهذه مرضعا ، وهذه بكرا ، فكشف عن ذلك ، فكان كما تفرس ، فقيل : من أين أخذت ذلك ؟ فقال : رأيت الحامل وضعت يدها على بطنها ، والمرضع وضعت يدها على ثديها ، والبكر وضعت يدها على فرجها ، وعند الخوف لا يضع الإنسان يده إلا على ما يعز عليه ويخاف عليه . وسمع يهوديا يقول : ما أحمق المسلمين ! يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون فقال له : أفكل ما تأكل تحدثه ؟ فقال : لا ؛ لأن اللّه تعالى يجعله غذاء ، قال : فلا شك أن اللّه يجعل كل ما يأكله أهل الجنة غذاء . ورأى برحبة واسط آجرة ، فقال : تحت هذه الآجرة دابة ، فرفعت فإذا تحتها حية منطوية ، فقيل له في ذلك ، فقال : رأيت ما بين الآجرتين نديّا من بين جميع تلك الرحبة ، فعلمت أن تحتها شيئا يتنفس . وقال : رأيت في المنام كأني وأبي على فرسين نجري معا ، فلم يسبقني ولم أسبقه ، وعاش أبي ستا وسبعين سنة وهأنا فيها ، فلما كانت آخر لياليه . . قال : هذه الليلة أستكمل فيها عمر أبي ، فنام فأصبح ميتا ، وذلك في سنة اثنتين وعشرين ومائة . قيل لوالده : كيف ابنك لك ؟ قال : نعم الابن ، كفاني أمر دنياي وفرغني لآخرتي .